ثم قال تعالی: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادّ…
انتشار: 2026/08/23 19:52 UTCدریافت: 2026/08/24 04:25 UTCآخرین مشاهده: 2026/08/24 04:25 UTC
ثم قال تعالی: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ. أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ:» المجادلة- ٢٢ فأفاد أن هذه الحياة إنما هي بروح منه، و تلازم لزوم الإيمان و استقراره في القلب فهؤلاء المؤمنون مؤيدون بروح من الله تستتبع استقرار الإيمان في قلوبهم، و الحياة الجديدة في قوالبهم، و النور المضيء قدامهم. و هذه الآية كما تری قريبة الانطباق علی قوله تعالی: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَ لِلَّـهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّـهُ عَلِيماً حَكِيماً:» الفتح- ٤ فالسكينة في هذه الآية تنطبق علی الروح في الآية السابقة و ازدياد الإيمان علی الإيمان في هذه علی كتابة الإيمان في تلك، و يؤيد هذا التطبيق قوله تعالی في ذيل الآية: وَ لِلَّـهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، فإن القرآن يطلق الجند علی مثل الملائكة و الروح.و يقرب من هذه الآية سياقا قوله تعالی: «فَأَنْزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلی رَسُولِهِ وَ عَلَی الْمُؤْمِنِينَ وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوی وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها:»، الفتح- ٢٦ و كذا قوله تعالی:«فَأَنْزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها:» التوبة- ٤٠.و قد ظهر مما مر أنه يمكن أن يستفاد من كلامه تعالی أن السكينة روح إلهي أو تستلزم روحا إلهيا من أمر الله تعالی يوجب سكينة القلب و استقرار النفس و ربط الجأش، و من المعلوم أن ذلك لا يوجب خروج الكلام عن معناه الظاهر و استعمال السكينة التي هي بمعنی سكون القلب و عدم اضطرابه في الروح الإلهي، و بهذا المعنی ينبغي أن يوجه ما سيأتي من الروايات.[بيان]قوله تعالی: وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسی وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ «إلخ»، آل الرجل خاصته من أهله و يدخل فيهم نفسه إذا أطلق، فآل موسی و آل هارون هم موسی و هارون و خاصتهما من أهلهما، و قوله: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ، حال عن التابوت، و في قوله تعالی: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، كسياق صدر الآية دلالة علی أنهم سألوا نبيهم آية علی صدق ما أخبر به: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً.قوله تعالی: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ إلی قوله مِنْهُمْ، الفصل هاهنا مفارقة المكان كما في قوله تعالی: «وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ:» يوسف- ٩٤ و ربما استعمل بمعنی القطع و هو إيجاد المفارقة بين الشيئين كما قال تعالی: «وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ»: الأنعام- ٥٧، فالكلمة مما يتعدی و لا يتعدی.و الجند المجتمع الغليظ من كل شيء و سمي العسكر جندا لتراكم الأشخاص فيه و غلظتهم، و في جمع الجند في الكلام دلالة علی أنهم كانوا من الكثرة علی حد يعتنی به و خاصة مع ما فيه المؤمنين من القلة بعد جواز النهر و تفرق الناس، و نظير هذه النكتة موجود في قوله تعالی: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ.و في مجموع الكلام إشارة إلی حق الأمر في شأن بني إسرائيل و إيفائهم بميثاق الله، فإنهم سألوا بعث الملك جميعا و شدوا الميثاق، و قد كانوا من الكثرة بحيث لما تولوا إلا قليلا منهم عن القتال كان ذلك القليل الباقي جنودا و هذه الجنود، أيضا لم تغن عنهم شيئا بل تخلفوا بشرب النهر و لم يبق إلا القليل من القليل مع شائبة فشل و نفاق بينهم من جهة المغترفين، و مع ذلك كان النصر للذين آمنوا و صبروا مع ما كان عليه جنود طالوت من الكثرة.و الابتلاء الامتحان، و النهر مجری الماء الفائض، و الاغتراف و الغرف رفع الشيء و تناوله، يقال: غرف الماء غرفة و اغترفه غرفة إذا رفعه ليتناوله و يشربه.و في استثناء قوله تعالی: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ عن مطلق الشرب دلالة علی أنه كان المنهي عنه هو الشرب علی حالة خاصة، و قد كان الظاهر أن يقال: فمن شرب منه فليس مني إلا من اغترف غرفة بيده غير أن وضع قوله تعالی: وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، في الكلام مع تبديل الشرب بالطعم و معناه الذوق أوجب تحولا في الكلام من جهة المعنی إذ لو لم تضف الجملة الثانية كان مفاد الكلام أن جميع الجنود كانوا من طالوت، و الشرب يوجب انقطاع جمع منه و الاغتراف يوجب الانقطاع من المنقطع أي الاتصال و أما لو أضيفت الجملة الثانية، أعني قوله تعالی: وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلی الجملة الأولی كان مفاد الكلام أن الأمر غير مستقر بحسب الحقيقة بعد إلا بحسب الظاهر فالجنود في الظاهر مع طالوت لكن لم يتحقق بعد أن الذين هم مع طالوت من هم، ثم النهر الذي سيبتليهم الله به سيحقق كلا الفريقين👇